قال ابن سـُريج: دعاني فتية من بني مروان، فدخلتُ إليهم وأنا في ثياب الحجاز الغلاظ الجافية، وهم يرفـُلون في الوَشـْي كأنهم الدنانير الهـِرَقـْليـّة. فغنـّيتهم - وأنا محتقر لنفسي عندهم - لحنـاً لي. فلما رأيت إعظامهم لي تضاءلوا في عيني حتى ساويتـُهم في نفسي. ثم غنيتهم لحنـاً آخر، فطربوا وعظـّموني وتواضعوا لي حتى صرتُ في نفسي بمنزلتهم، وصاروا في عيني بمنزلتي. ثم غنيتهم لحنـاً ثالثـاً، فمثلوا بين يديّ ورمـَوْا بحـُللهم كلها عليّ حتى غـَطـَّوْني بها، وحتى حسبت أني الخليفة وأنهم لي عبيد، فما رفعتُ طرْفي إليهم بعد ذلك تـِيهـاً. وقال مالك بن أبي السـَّمـْح: سألتُ ابن سريج عن قول الناس في المغنين: فلان يـُحسن وفلان يسيء. فقال: المصيب المحسن من المغنين هو الذي يـُشبع الألحان، ويملأ الأنفاس ويـُعدّل الأوزان، ويـُفخـّم الألفاظ، ويعرف الصواب، ويـُقيم الإعراب، ويستوفي النغمَ الطـِّوال، ويـُحسـِّن مقاطيع النغم القصار، ويصيب أجناس الإيقاع، ويختلس مواقع النـَّبـَرات، ويستوفي ما يشاكلها في الضرب من النـّقرات. فعرضتُ ما قال ابن سريج على مـَعـْبـَد، فقال: لو جاء في الغناء قرآن ما جاء إلا هكذا. من كتاب "الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني