أكنت في خدمة السلطان صلاح الدين بمرج عيون قبل خروج الإفرنج إلى عكا. وكان من عادته أن يركب في وقت الركوب، ثم ينزل، فيمدّ الطعام، ويأكل مع الناس، ثم ينهض إلى خيمة خاصة له ينام فيها، ثم يستيقظ من منامه ويصلي، ويجلس خلوة وأنا معه نقرأ شيئاً من الحديث أو شيئاً من الفقه. فنزل يوماً على عادته، ومُدّ الطعام بين يديه، ثم عزم على النهوض لينام. فقيل له: "إن وقت الصلاة قد قرب"، فعاد إلى الجلوس وقال: "نصلي وننام". ثم جلس يتحدّث حديث متضجّر وقد أُخلي المكان إلا ممن لزم. فتقدم إليه مملوك وعرض عليه قضية لبعض الجند، فقال له صلاح الدين: أنا الآن ضجران. أخّرها ساعة. فلم يفعل، وقدّم الورقة إلى قريب من وجه السلطان بيده، وفتحها بحيث يقرأها. فوقعت عينه على الاسم المكتوب في رأسها فعرفه، فقال: رجلٌ يستحق. فقال المملوك: يُوَقّعُ المولى له؟ فقال: ليست الدواة حاضرة الآن. أخِّرها ساعة. قال المملوك: هذه الدواة في صدر الخيمة. وليس لهذا معنى إلا أنه يأمر السلطان بإحضار الدواة. فالتفت صلاح الدين فرأى الدواة، فقال: "صدقت."، وقام فأحضر الدواة ووقّع على الورقة. قلت له: قال الله تعالى في نبيه صلى الله عليه وسلم: (وإنك لعلى خلق عظيم). وما أرى المولى إلا قد شاركه في هذا الخلق. فقال: ما ضرّنا شيء. قضينا حاجته وحصل الثواب. من كتاب "النوادر السلطانية والمحاسن اليُوسُفية" لبهاء الدين بن شَدّاد.